الشيخ محمد رشيد رضا

101

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * هذه الآيات متصلة بما قبلها على كلا الوجهين السابقين : فإذا كان الكلام لا يزال في محاجة اليهود وأمثالهم فالامر ظاهر ، وإذا قلنا إن الكلام قد دخل في سرد الاحكام ، تكون مقررة لحكم منها وهو ظاهر أيضا ، فقد تقدم ان قوله تعالى ( يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ ) تقرير لحكم في الاكل على خلاف ما عليه أهل الملل ، وبينا ما كان عليه أهل الكتاب والمشركون في الاكل ، ونقض القرآن لما وضعوه لأنفسهم من أو هاق الاحكام وإباحته الطيبات للناس بشرط أن يشكروه عليها ، وعلى هذا تكون هذه الآيات جارية على الرؤساء الذين يحرمون على الناس ما لم يحرم اللّه ويشرعون لهم ما لم يشرعه ، من حيث يكتمون ما شرعه بالتأويل أو الترك ، فيدخل فيه اليهود والنصارى ومن حذا حذوهم في شرع ما لم يأذن به اللّه وإظهار خلافه ، سواء كان ذلك في أمر العقائد ككتمان اليهود أوصاف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو الا كل والتقشف وغير ذلك من الاحكام التي كانوا يكتمونها إذا كان لهم منفعة في ذلك كما قال تعالى ( تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً ) وفي حكمهم كل من يبدي بعض العلم ويكتم بعضه لمنفعته ، لا لاظهار الحق وتأييده ، وهذا هو ما عبر عنه بقوله إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أي الذين يخفون شيئا مما أنزل اللّه من كتابه فلا يبلغونه للناس مهما يكن موضوعه ، أو يخفون معناه عنهم بتأويله أو تحريفه أو وضع غيره في موضعه برأيهم واجتهادهم ، ويستبدلون بما يكتمونه ثمنا قليلا من متاع الدنيا الفاني كالرشوة والجعل على الفتاوى الباطلة أو قضاء الحاجات عند اللّه تعالى وغير ذلك من المنافع الموقتة إذ اتخذوا الدين تجارة . والثمن القليل منه ما قاله المفسر من استفادة الرؤساء من المرءوسين ومنه عكسه كما تقدم غير مرة . ( قال شيخنا ) هذا النوع من البيع والشراء في الدين عام في الرؤساء الضالين من جميع الأمم . ومنه ما كان رؤساء اليهود يلاحظونه زمن التنزيل وهو حفظ ما بيدهم الذي يتوهمون أنه يفوتهم بترك ما هم عليه من التقاليد واتباع ما أنزل اللّه بدلا منها ، وهذا هو شأن الناس في كل دعوة إلى إصلاح جديد غير ما هم فيه ، وإن كان يعدهم بخير منه في الدنيا والآخرة ، وكان ما هم فيه هو الفقر والذل والخذلان حاضرة أو منتظرة